جنــاحــان ( قصة قصيرة )




( جنــاحــان )

 
اجتمعت الرفيقات في باحة المدرسة مكونات دائرة واسعة على الأرض المغطاة بالرمال ومثبتات أبصارهن نحو "سماء" التي فردت ذراعيها الصغيرين وجعلت تضرب بهما كأنها عصفور يحاول الإقلاع


" فوووووو .. أرأيتم .. هكذا .. هكذا أطير كلما أردت "

كتمت بعض التلميذات ضحكاتهن الساخرة عنها .. لكنّ "سماء" لم تعبأ ابدا بهنّ , فيكفيها أنها تطير ..

تركتهن خلفها بالأسفل ! وعادت مهرولة إلى البيت بعد أن ألقت التحية عليه وهو قائم في أرضه يفلحها ككل يوم



" السلام عليك يا "صدّيق" .. صرت أكثر سوادا "


ضحك بعفوية لرؤية الصغيرة بحقيبتها المنسوجة ذات الذراع الواحدة , يعلم أنها فارغة لكنّ الطفلة تحب حملها


لوح لها بفأسه .. رفعه نحو السماء , ثم عاد يهوي به على الأرض ..



فورعودتها هرعت "سماء" مباشرة إلى الدور العلوي أمام نافذتها البحرية , ترتقب عودة أبيها من عمله , فرحلة الصيد طالت هذه المرة عن سابقاتها


تسمع زعيق من الأسفل فتعلم ان أمها قد اعدت الغداء ..


(غريبة الأطوار) .. هكذا وصفها معلمها , لا تكف عن النظر في النوافذ حتى في أثناء الدرس


مرّ اليوم عليها بطيئا , لكن غدا سيكون مختلفا ولا شك , فكل جمعة تذهب مع أمها إلى مسجد القريةالكبير


فقط ستغلق عينيها الأن وتنتظر ..



تسلكان نفس الطريق سيرا على الاقدام .. تحمل الأم معظم مشالهما ولا تكف "سماء" عن اصطحاب حقيبتها فارغة .. قابلا أم صدّيق التي ستكون رفيقتهم , اندهشت "سماء" بشدة حين سمعت منها خبر سفر ابنها إلى بلدة أخرى بحثا عن الرزق


" وكيف يترك الزرع وحيدا ؟! "  
تسائلت بعفوية اختلطت بضحكات النسوتين..

في ظهيرة السبت انفصلت "سماء" بعد انتهاء اليوم عن رفقتها , حثت خطاها نحو البقعة التي اعتادت رؤيته فيها يعمل , لكنّ الأخبار بدت الأن حقيقة , فصاحبها الطويل لم يكن واقفا وسط حقله .. فقط أرض خالية , وفأس ملقى من غير صاحب


( لا تحب القوارب .. فلقد اخذت منها أحبابها)


ابتعدت عن المكان برمته واتجهت صوب الصفصافة القائمة على جانب الجدول


مازلت ارجوحتها تتدلى من أحد الفروع .. هرعت إليها , حتى الأن تجد صعوبة في امتطائها , لكنها لا تسمح لأحد بمساعدتها غير أبيها الذي علمها التحليق بها .. هو الأن في البحر يصطاد .. تتنفس بعمق بعد أن تستقر فوقها , محكمة قبضتيها بقوة على الحبلين المشدودين


ازداد ارتفاع الارجوحة كلما مالت معها "سماء" حتى كادت أن تلمس بأصابعها تلك الغمامة البيضاء التي على شكل قارب !



أفلتت الحبلين من بين كفيها حتى تتمكن من مد ذراعيها كجناحين تحلق بهما


(لم تكذب على قريناتها أبدا عندما نبأتن بخبر الطيران)


وفي لحظة ألقت بجسدها من على الأرجوحة , عادت الارجوحة مرة اخرى إلى حركتها الدأوب كأنها لم تشعر بفقدها للجسد الصغير ,



ظلت "سماء" منبطحة على الأرض لا تشعر بلسعات الحصى .. لأن الحقيقة كانت أشد مرارة .


ديسمبر 2009



هناك تعليقان (2):

  1. كذت أن أسمع صوت البحر وصوت النسوة وهن يضحكن، اسلوبك بسيط وسريع ويلمس القلب، قصتك حزينة، ...
    أحزنتني كثيراً اليوم ، لكنه حزن انساني له معنـــى.
    شكراً لأنك تركتني أقرأ قصتك ^^

    ردحذف
  2. وشكرا لأنك طلبتي مني نشرها

    كنت اود ذلك ..

    ردحذف

من أنا

صورتي
احيانا متالقا .. واحيانا اخرى محبطا , المدونة شخصية , تُوثق بعض من ايام حياتي

كــــل الـمواضيـع