هل تتذكر مشهد لبطل فيلم (خرج ولم يعد) عندما استوقفه بائع جائل ليعرض عليه شراء أطباقه التي لا تنكسر , وليحثه على شراءها أكثر وأكثر تعمد أن يلقيها أمامه واحدة تلو الأخرى على الأرض وهو يردد (ومـبـتكسرش)
وعندما رجع الموظف السعيد بصفقته إلى حماته وأعاد التجربة امامها ليظهر مدى قيمة الهدية التي احضرها لها , لكن ما حصل أنه كلما ألقى طبق تكسر وتناثرت شظاياه على الأرض
باقي الفيلم يحكي قصة هروب البطل من المدينة إلى الريف ليبتعد عن اجواء القاهرة المفعمة بالغش والتلوث ..
ويبدو أن حياتي باتت اجزاء من افلام ومسرحيات قديمة , حين اقتحم عليّ المكتب مندوب مبيعات يحمل حقيبة على كتفه , لا أعرف كيف وصل الى هنا ؟ , المهم شرع في شرح المنتجات التي يروجها , حاولت بذوق أن أثنيه عن الكلام وأصرفه لكنه أصر ووعدني بالإنجاز , تظاهرت بالاستماع وانا مضمر نيتي وعازم أمري على أني لن اشتري شيئا مهما حصل
أخرج كل ما في جعبته من عبوات غير معروفة المصدر .. هذا مثبت للشعر , وأخر لتنعيمه والقضاء على براغيته
تمنيتُ لو ينتهي سريعا هذا العرض غير المسلي إلى أن أخرج من الحقيبة أخر زجاجة كانت في حوزته , طلب مني قلمي فناولته القلم الجاف الأزرق , أمسكه ثم أخذ يشخبط به على خرقة معه
برقت عيناي لرؤية الحبر يُـزال كالعجين بعد اضافة قطرات قليلة من الزجاجة , ما حدث كان كالسحر ( تذكرت على الفور اللوحات الخالدة التي تتزين بها حوائط منزلنا والتي قامت برسمها الأختان النجيبتان "سما و نادين" قبل ان يكتشفوا أن كتبي و دفاتري تعطي نتائج أفضل ! )
وتخيلت جميع من البيت يحيطوني بنظرات الإعجاب والتقدير وأنا ازيل أوساخ الحائط "السريالية" التي عجزت أمامها كل محاولات التنظيف السابقة
وافقت على الشراء بلا تردد وأعطيته بنفس راضية الثمانية جنيهات ونصف .. ورحل هو بحقيبته وبراغيته
وكان على باب مكتبي بقعة حبر تـشوه بياضه الأنيق , قلت لنفسي لا مانع فالزجاجة كبيرة , وهذا مكتبي في النهاية , وضعت كمية مناسبه على ورقة مناديل ودعكت مكان الحبر , نظرت لمكان البقعة .. لم يتغير شئ على الاطلاق ! كدت أجن لكني سرعان ما استعدت رشدي وافتكرت انه يجب رجّ الزجاجة جيدا قبل إستخدامها كما أخبرني
كم انا سيء الظن !
كم انا سيء الظن !
كررت المحاولة و الرغاوي تملأ الزجاجة هذه المرة , ولم يتغير شيئا على الاطلاق مرة اخرى
رآني "عم ممدوح" من الخارج فقال وضحكته ترتد في المكان :
( انتَ وقعت؟!)
على العموم انا سأعود للبيت ولن أهرب الى الريف .. فقط لأني لا أملك أرضا هناك
----------------------
(محدث)
زمااااان كان في شاعر اسمه الشماخ بن ضرار , كان فقيرا للغاية , وكان أغلى ما يملكه قوسه التي صنعها بنفسه وصاحـبَـها مذ كانت عودا طريا يتدلى من شجرته و يتخبى وراء أغصانها الكثيفة , قطعه من فرعه وكرس له وقته وجهده حتى اكتملت صنعته بدقة هندسية , فلفها بالحرير وشد عليها وترا ولم يفارقها من يومها لأنه كان يخاف عليها وكأنها محبوبه .. وفي ذلك قال
إذا سقط الأنداءُ , صِـيـنـتْ و ُأشعرتْ
حبيراَ , ولم ُتدرجْ عليها المعاوز
- الأنداء:الندى - أشعرت:ألبست - الحبير:ثوب من الحرير - المعاوز:الثياب البالية
يخشى عليها من الندى .. أتسائل أيهما اشد رقة من الاخر؟!
إذا خرج بها ليصطاد فلا تخطأ رميه مهما كان المرمى صعبا او سريعا
المهم .. خرج الشماخ في موسم الحج الى (مكة) فلقاه هناك تاجر ماهر عليم اللسان فجعل يساومه على قوسه منذ راها في حوزته والشماخ يمتنع ولا يقوى على ذب التاجر لعوزه وفقره وحاجته الملحة للمال والناس من حوله تلومه وتشجعه لانتهاز الفرصة .. وفي ذلك قال
فظل يناجي نفسه وأميرها
أياتي الذي يعطي بها ام يجاوز ؟
فقالوا له : بايع أخاك .. ولا يكن
لك اليوم عن ربح من البيع لاهز
- لاهز:مانع
واخيرا رضخ للتاجر وسلمه قوسه .. وما ان غاب التاجر بالقوس عن ناظريه حتى بكى في صمت وندم على ما أقدم عليه .. وقال:
فلما شراها فاضت العين عبرة..
وفي الصدر حزاز من الوجد حامز
- حزاز:يحز في النفس - الوجد:أشد الحب وأحره - حامز:قاطع وماضي
إلى هنا انتهت قصة الشماخ وبدأت قصتي .. فبعد ان رحل مندوب المنتجات الوهمية بنقودي العزيزة قلت ما قاله الشماخ من مئات السنين
وفي محفظتي حزاز من الوجد حامز ):